أوتار » أرشيف المدونة » رحلة إلى الأمس ..

رحلة إلى الأمس ..


الطريق الطويل الذي أقطعه ذهابًا إلى حديقتي السّريّة لم يتغيّر ؛ حتّى الظّلال التي تدلقها الأشجار التي تُمطرُ قُلوبًا في فصل الخريف هي ذاتها باتجاهها وميلها وحجمها ، أحسست وكأني عُدت القهقرى لأربع وعشرين ساعة ، ساءَلتني : ما الذي يمكنني أن أهديه لنفسي إن عاد لي من حياتي يومٌ كامِل ؟
يتبدّل سيناريو الأمس في خيالي ، أرى أنايَ نائِمَة بخدرٍ تامٍ إثر جرعة نتّية زائِدَة .. ذلك واضِحُ مِن خلال استغراقها في النّوم وملامحها التي لا تَشي بالارتياح .. كم مرّة عليّ أن أطلب منها ترك السّهر أو التّفرغ قبل النّوم بنصف ساعة تقرأ فيها التّوكيدات الإيجابية كَي تُعطي يومها التالي جودَة تبدأ مع الاستيقاظ!
لا أظن الوقت مناسبٌ للّوم فها أنايَ تستيقظ مفزوعة إثر طرقات قويّة على الباب .. أشعر بوجيب قلبها يخترق حجب الصّمت وألاحظ خوفًا مشوب باعتكار مزاج يتسلل من خلال تقطيبة الجبين .. أضغط بإبهامي بَيْن عينيها لتتذكّر انفعالها اللاإراديّ فتسترخي .. أشدّ شفتيها قليلًا من الجانبيْن فتبتسم .. أردد : لا نستطيع السيطرة على سلوكيات الآخرين لكننا نستطيع السيطرة على أفكارنا -التي تُفسّر هذه السلوكيات- بشكل إيجابيّ حتى لا تلقي بظلالها على بقيّة اليوم .. تتّجه أنايَ إلى الحمام بابتسامة خفيفة .. تغسل وجهها وتُحدّق طويلًا في المرآة .. ألمح في عينيها حزنًا أعلم سببه .. أربّت على كتفها وأهمس لها : تستحقين الأفضل دومًا .. لا تدعي لِشَظايا القرارات التي اتّخذتِها أن تُصيب منكِ فقراراتكِ التي تعنيك لن تضرّ أحدًا سواكِ إن كانت خاطئة .. ما مضى فات والقادم أجمل .. تبتسم للمرآة وترد في أعماقها :  “أستحقّ الأشياء الأجمل دومًا لأنّي أُحسن الظّن” .. ولفرط الحماس الذي سرى في شعورها تزلّ قدمها فتكاد تنزلق بفعل بودرة التلك المرشوشة على الأرضية بإهمال .. تغالب نوبة ضحك دهمتها حين تتذكّر أنها عقوبة من الله لأنها ضحكت بالأمس على شقيقتها التي فقدت توازنها البارحة بنفس الطريقة!
ترتدي الملابس الرياضيّة وتُلملم الكتب الدراسيّة التي تشاركها مضجعها منذ البارحة ثمّ تتجه إلى المطبخ .. أذكّرها بأنّ العادَة تخلق شعورًا حياديًا فيندر أن يتبادل الأهل ابتسامات الصّباح والتحايا “بدفء” .. تفتح باب المطبخ وتلقي التحية بابتسامة عريضة على الخادمات .. تتبادل معهنّ الأحاديث الخفيفة وتحتسي قدح الشّاي .. تسأل عن موعد عودة والدتها فتُطرق وأحدس ما يمور في داخلها من خلال التماع عينيها .. أرفع رأسها وأخبرها بأنّ استِباق السّوء يُعجّل به والتفاؤل بالخير يجزي الله به .. تهشّ الأفكار السّوداء وتحمد الله .. تكمل احتساء الشاي ثمّ تدلف إلى الغرفة لجمع الكتب .. تصل إلى الممشى بعد عشر دقائق .. الطريق الطويل الذي تقطعه ذهابًا إلى حديقتها السّريّة لم يتغيّر ؛ حتّى الظّلال التي تدلقها الأشجار التي تُمطرُ قُلوبًا في فصل الخريف هي ذاتها باتجاهها وميلها وحجمها.. شيءٌ واحدٌ تغيّر ليجعل من هذا الصّباح أنموذجًا رائقًا للصّباحات المُخلّدة في الذّاكرة ..لعلّه تغيير تردد موجة كلّ فكرة طارئة تتسلّل إلى العقل قبل أن تستعمره!

التعليقات 5 على “رحلة إلى الأمس ..”

  1. نوفه علق:

    تكتبينني و الله

    أنت رائعه  

    (اقتباس)

  2. أَوْ علق:

  3. نورة ، علق:

    هذه الرحلات ال متكررة ، بوجَع ! تخلق النّدوبات التي لا تَبلى مع الأيام ،
    أحب أن أبدو سعيدةً بعد كل استيقاظ ، أن أشعر ب ( يا حظي .. إني أنا أنا ) !
    أن لا يتمعّر وجهي ، وقت النظّر في المرآة ، ان أتبسّم لي لأني أنا .. أنا !

    لكن كل ما أفعلُه أني أحِب ، و .. ينأى عني مرادي ، فلا أسعَد مع كل إشراقةَ صُبح !  

    (اقتباس)

  4. أنا علق:

    عندما أستيقظ كلّ صباح أجدني في ذروتي .. فأنا لم أنم
    كنت مغمض العينين ، أستجمع ذكرياتي / دمعاتي / زفراتي / كل شيء أحببته
    عندما أفتح عينيّ في حياةِ خالية مما أريد .. أرفض المضيَ في يومياتي والخطو في غمارها
    فقط أشتاق إلى تلك الومضة .. ومضة الأمل .. ونور الحياة .. وبلسم الروح
    أشتاق بكل ما أوتيت من قوة خفقة ، وعمق شهقة
    أشتاق وأخلي بين دمعي وخدي ، فخطوط الحروف التي خلفتها أجمل واقعة لن تزال معبرًا لي في كل لحظةٍ أظلُّ فيها رهين الحياة !  

    (اقتباس)

  5. ايناس علق:

    الله.. ابداع
    ماشاء الله
    (F)  

    (اقتباس)

قُلْ شَيْئًا