أوتار » أرشيف المدونة » تَأمّلًات السّاعة الثّانية عشرة

تَأمّلًات السّاعة الثّانية عشرة

أرَقْ

لا أكاد أستطيع الخُلود للنّوم دون أن أكتب همومي إلى نفسي على الورق ؛ الكّراسة المهلهلة أضعها تحت وسادتي تحسّبًا لنوبات الأرق التي تدهمني بلا سابق إنذار ، والمصباح الذي تفحّمت أجزاء زجاجته الداخلية يترّقب الساعة الثانية عشرة ، تمامًا حين ينقص “نيكوتين” الأشياء الأثيرة التي افتقدتها ؛ أخطّ خطًّا أفقيًا .. ثمّ رأسيًا .. ثم أكتب بخط مجهريّ على الجوانب حتّى لا يتلصص على ما كتبت أيّ شخص ، وحين يختلج قلبي بالحَنين المشوب بحزن أتجرّأ على دخول عالم الصّفحة لأقتحم بياضها بسؤال : لِمَ أنتِ حزينة “أوْ” ؟
أبدأ بكتابة تداعيات الأفكار التي أثارها سؤالي وأكمل رسم عيون ووجوه ودوائر وخطوط ، وبعد امتلاء الصّفحة ألاحِظ أنّ نوبة الجنون الكتابية لا تَحوي أكثر من “شقاءٍ لحظيّ بأمانٍ لَم تتحقّق” ، أفكّر : كيف يُمكنني أن أقنِعني بأنّ الحاضِر “أحلَى” وأنّ ما يُحزنني مجرّد أوهام وأن هذه الطريقة لن تنفعني في شيء سوى زيادة الحزن والألم ونقص الإنتاج والكفاءة التي أحتاجها كوقود للوصول لأهدافي؟
أظلّ أفكّر وأفكر .. والرسم يتوالى على الورقة التي تهالكت لفرط ما شربت من الحِبر ، تلوح لِي عبارة “روبن شارما” التي يقول فيها أنّ قيمة الكتب ليس فيها إنما فيما تستخرجه منّا ، أحاول تذكّر مواقف أو أفكار تُساعدني على تجاوز الفكرة الحزينة وإلّا فما قيمة الكتب التي أقرأها ما دامت لا تستطيع أن تكون ضِمادَة في مثل هذا الوقت!
بعد لأيٍ يلوح لي الجَمال الحَزين في وَجْهِ الإمبراطورة “ثريّا أصفندياري” وأتذكّر موقف زوجها شاه إيران ” محمّد رضا بهلوي” منها إذ كان يُحبّها كما تحبّه لكنّه طلّقها كونها لا تُنجِب وهو الذي يهفو لمن يجلس على عرش إيران من بعده ؛ لم تكن نهاية الأمر سِوى إجباره على ترك إيران والسّلطة قبل أن يكبر وليّ العهد !
وليس نابليون عن ذلك ببعيد فقد هفت نفسه للإنجاب فطلّق زوجته التي أحبّته حدّ التّقديس وتزوج من ابنة حاكم النّمسا لتلد له وريثًا يحمل اسمه ليجلس على عرش فرنسا ؛ ثمّ ما لبث أن خسر الحكم ونُفيَ إلى جزيرة “سانت هيلينا” وحيدًا إذ أن زوجته الثانية رفضت مرافقته في منفاه !
هكذا نَشقَى بأمانينا مرّتين ؛ مرّة بالتّرقّب .. وأُخرَى بالصّدمَة من عدم تطابق “الأمنيَة في بطن الخَيال” بـ “الأمنية على ظهر الواقع ” ..
أشعر باسترخاء في ملامح وجهي وأفتح صَفحَة جديدة في دفتري المهلهل وأكتب :
إنّ كلّ مَرحَلَة حياتِيّة قدّر الله فيها أُمورًا تُوائِمُ شَخصيّاتها فيها وقابليتنا على تعلّم أمور تُقولبنا وفق وعيٍ يُهيّئنا للمرحلة التّالِيَة ؛ إنّ استِباق ما لم يكتبه الله والحُزن أو الترقّب فِيه تعطيل للّحظة الحاليّة كما أنّه يُنقِصُ مِن تَمام الأمرِ المُرتَقَب ؛ ذلك أننا استَعجَلنا فترة القَولَبة ولَم نستغلّها في فهم حِكمَة التأخير أو رفع مستوى الوعي ؛ فلا يَحصل التّواؤم بيننا وبين ما كنا نتمنّاه لذلك غالبًا ما نشقى أو نزهد به حال حدوثه ، وكما يُقال : لَو علِمْتُم الغَيبَ لاختَرتُم الواقِع ؛ لذلك اترُك الأمنية معلّقة بمشيئة الله واقطَع حِبال قلبك من التعلّق بها فيها خلا حبل “الدعاء” كَي تَصفو لك حياتك وتتمتّع بلحظتك الحاليّة كما أرادها الله لك .

التعليقات 11 على “تَأمّلًات السّاعة الثّانية عشرة”

  1. رشا علق:

    أوتار جميلة أنت وجميلة هي حروفك : )
    (وأنّ ما يُحزنني مجرّد أوهام ) لا تحزني حتى وإن كانت هموما وليست مجرد أوهام فلا شيء يستحق يا صديقة
    (هكذا نَشقَى بأمانينا مرّتين) أجدت القول وحين قلت ( لذلك اترُك الأمنية معلّقة بمشيئة الله ) هي ما اعتقد به منذ زمن
    دمت بود  

    (اقتباس)

  2. رَونَق ~ علق:

    شكراً لأرَق الثآنية عشرة الذي أهدآنآ هذآ الزخم ~

    ولربمآ كآنت الأمآني وَ ” الأحلآم ..
    أقدَر من يمكنه دفعنآ للتقرّب إلى النجآح زلفى ..
    و من يحرّك الشوق فينآ إلى إشرآقة الغد ..
    لآ نملك قَطَع حبآلهآ من قلوبنآ ..
    ولكننآ نملك أن لآ تعيّشنآ في { أحلآم اليقظه ..
    فنفقدهآ ونفقد الوآقع :)

    أوتآر / عذبة الحرف أنتِ يآ حبيبة ..
    دمتِ لأروآحنآ ~  

    (اقتباس)

  3. أَوْ علق:

    رَشا | أرلتِ عنّي شيئًا من وحشَة العودَة لأوتاري .. أشكركِ لأنّكِ قريبة ..

    رَوْنَق | يقول أحدهم ” إنّ الرّجاء عبدٌ رَقيق” فهو يجعل الإنسان عبدًا لرغباته وأمنياته وكلّما عزّ مطلوب زاد شقاء الإنسان به ؛ وفي الحديث : “” لَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَانِيًا ، وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا ، وَلا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ ” ؛ والحديث حَسن ..
    لست أنفي معك أن الأماني الإيجابية ” المقيّدة بهدف وخطوات نتخذها” تدفعنا قدمًا نحو ما نصبو إليه على ألّا يزيد هوسنا بها عن حدّه قد نفقد متعة اللحظة الحالية ، الأيام تنسرب من بين أصابعنا ونحن نخرج من دوامة أمنيَة إلى أخرى ..
    ولستُ في حديثي السابق أعني هذه النوعية من الأمنيات .. أعني تلك التي لا يد لنا في تحقيقها سوى الدعاء إذ رأيناها محجوبة عن حياتنا .. كأن تشقى المرأة العاقر بما كتبه الله لها وأعني بذلك أن تتجاوز “التمنّي” إلى التسخّط والاستسلام للحزن والسباحة عكس تيار القدر ..
    نوّرتِ يا رونق()  

    (اقتباس)

  4. نوفه علق:

    كيف يُمكنني أن أقنِعني بأنّ الحاضِر “أحلَى” وأنّ ما يُحزنني مجرّد أوهام

    و أنا أيضًا أسأل ذلك

    خاطرتك هذه كانت على جرح قلبي

    أشتقت لحروفك التي تلامس قلبي دائمًا

    عني في كل ليلة حينما يغادرني النوم أكتب بملاحظات الجوال

    فهي أسهل علي من التحرك و اشعال اللمبة و الكتابة على الدفتر

    جربيها طريقة سهله و عمليه :)   

    (اقتباس)

  5. أَوْ علق:

    نوفَة | من يعرف “أوْ” عَن قُرب يعلم أنها ليست مهتمة بكل وسائل الاتصال والتقنيّة -فيما خلا الجهاز المحمول- ؛ للأسف لست صديقة للهواتف النقالة s: ..
    لكني أشد على يدكِ لأنكِ تكتبين بطريقةٍ ما .. الكتابة أمر صحيّ لتقوية الأواصر بالذّات ..
    () حُيّيتِ  

    (اقتباس)

  6. آسية علق:

    جميلة حروفك يا أوتار…
    سعدت جدا بولوج عالمك النابض صدقا إذ هو يقولنا ملء بياضه. ذاك الأرق/ السؤال الشرس هو طريقنا الوحيد إلينا…
    دمت نجمة الصباح
    محبتي  

    (اقتباس)

  7. أَوْ علق:

    () هو كذلك يا جميلة .. طريقنا الوحيد إلينا !
    حرفكِ يَشِي بتمكّن لغويّ جميل .. هل لكِ أثر نتّبعه أو دار نجد حروفكِ فيها ؟
    حُيّيتِ يا آسية ..  

    (اقتباس)

  8. فله علق:

    وكأنني قرأت نفسي في بداية سطورك غير ان ارقي يأتي فجرا لحظة الشيب الذي يسود المساء ابحرت في كلماتك حتى كأنني اسمعها ولم اقرأها
    سلمت اناملك  

    (اقتباس)

  9. نورة ، علق:

    لماذا تجعلينني أبدو مشدوهةً بعد كلّ قراءةٍ لكِ ؟
    أحبّ أن تؤدّي بي الطرق .. فأجدُ نفسي في بيتِك ، هنا !

    يبدو أنكِ غائبةٌ عن المعالي هذه الفترة ، أعني ب(ماريوشكا) ..
    و أنا أحبّ أن تعودِي ،

    لحضوركِ خصوصيّته .  

    (اقتباس)

  10. أَوْ علق:

    فُلّة | تعدد الأرق والمحصّلة واحدة ) : ..
    () وأناملكِ .. ممتنة لأنك تعاودين الزيارة ..

    نورة | الدهشة تخلقها نَفس متوفّزة للبحث عن الجمال حتى وإن بتحويل الأشياء العادية إلى أشياء جميلة ..
    فقدت المعرّف ولم أهتم باستعادته من الإدارة .. لذا أقترف الكتابة بمعرفي الأقدم حين أشعر برغبة بالكتابة -وأما أقل هذه اللحظات – ..
    ممتنة لأنّكِ قريبة ( :  

    (اقتباس)

  11. نورة ، علق:

    مبااارك عودة ماريوشكا ،
    - إلا و الله فقدناك ، لكن ما لنا حيلة بالوصو ل إليك ؛ أيام فقداتك لك ذذ أقصد معرفك =$

    -> برآآآ :سيكو:  

    (اقتباس)

قُلْ شَيْئًا